أبو علي سينا

278

القانون في الطب ( طبع بيروت )

وإذا تركت مالنخوليا مع ضجر وتوثّب وشرارة ، انتقل فسمّي مانيا ، وإنما يقال مالنخوليا لما كان حدوثه عن سوداء محترقة ، وسبب مالنخوليا ، إما أن يكون في الدماغ نفسه ، وإما من خارج الدماغ . والذي في الدماغ نفسه ، فإنه إمّا أن يكون من سوء مزاج بارد يابس بلا مادة تنقل جوهر الدماغ ومزاج الروح النيّر إلى الظلمة ، وإمّا أن يكون مع مادة . والذي يكون مع مادة ، فإما أن تكون المادة في العروق صائرة إليها من موضع آخر ، أو مستحيلة فيها إلى السواد باحتراق ما فيها ، أو تعكّره ، وهو الأكثر أو تكون المادة متشرّبة في جرم الدماغ ، أو تكون مؤذية للدماغ بكيفيتها وجوهرها فتنصبّ في البطون ، وكثيراً ما يكون انتقالًا من الصرع . والذي يكون سببه خارج الدماغ . بشركة شيء آخر ، يرتفع منه إلى الدماغ خلط ، أو بخار مظلم ، فإما أن يكون ذلك الشيء في البدن كله إذا استولى عليه مزاج سوداوي ، أو الطحال إذا احتبس فيه السوداء ، ولم يقدر على تنقيتها ، أو عجز ، ولم يقدر على جذب السوداء من الدم ، وإما لأنه قد حدث به ورم ، أو لم يحدث ، بل آفة أخرى ، أو لسبب شدة حرارة الكبد ، وإما أن يكون ذلك الشيء هو المراق إذا تراكمت فيه فضول من الغذاء ومن بخار الأمعاء واحترقت أخلاطه واستحالت إلى جنس سوداوي ، أحدثت ورماً ، أو لم تحدث ، فيرتفع منها بخار مظلم إلى الرأس ، ويسمى هذا نفخة مراقية ، ومالنخوليا نافخاً ، ومالنخوليا مراقياً ، وهو كثيراً ما يقع عن ورم أبواب الكبد ، فيحرق دم المراق ، وهو الذي يجعله جالينوس السبب في المالنخوليا المراقي . وروفس جعل سببه شدة حرارة الكبد والمعى . وقوم آخرون يجعلون سببه السدة الواقعة في العروق المعروف بالماساريقا مع ورم . وآخرون يجعلون السبب فيه أسدد الواقعة في الماساريقا ، وإن لم يكن ورم . واستدلّ من جعل السبب في ذلك السدد الواقعة في الماساريقا ، بأن غذاء هؤلاء لا ينفذ إلى العروق ، فيعرض له فساد . واستدلّ من قال أن ذلك من ورم بطول احتباس الطعام فيهم نيئاً بحاله في الأكثر ، فلا يكون هذا الورم حاراً ، لأنه لا يكون هناك حمّى وعطش وقيء مرار . وربما كَان سبب تولده هو من خارج الدماغ ، ومبدأ تولده هو في الدماغ ، كما إذا كان في المعدة ورم حار ، فأحرق بخاره رطوبات الدماغ ، أو كان في الرحم أو سائر الأعضاء المشاركة للرأس . والذي يكون عن برد ويبس بلا مادة فسببه سوء مزاج في القلب سوداوي بمادة أو بلا مادة ، يشركه فيه الدماغ ، لأن الروح النفساني متصل بالروح الحيواني ، ومن جوهره ، فيفسد مزاجه الفاسد السوداوي مزاج الدماغ ، ويستحيل إلى السوداوية ، وقد يكون لأسباب أخرى مبردة